خطبة الجمعة المذاعة والموزعة
بتاريخ 18 من شعبان 1447هـ الموافق 6 /2 / 2026م
تَذْكِيرُ الأَنَامِ بِصِلَةِ الأَرْحَامِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَّفَنَا عَلَى الْأُمَمِ بِالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، وَقَوَّمَ بِهِ نُفُوسَنَا بَيْنَ الْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ، أَحْمَدُهُ عَلَى التَّوْفِيقِ لِلتَّحْمِيدِ، وَأَشْكُرُهُ عَلَى نِعْمَةِ التَّوْحِيدِ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً يَبْقَى ذُخْرُهَا عَلَى التَّأْبِيدِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ رَبُّهُ لِلْخَلَائِقِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا، وَوَهَبَ لَهُ مِنْ فَضْلِهِ خَيْرًا كَثِيرًا ، وَنَهَى أَنْ يُدْعَى بِاسْمِه تَعْظِيمًا لَهُ وَتَوْقِيرًا، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ وَأَزْوَاجِه، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. )يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( [النساء:1]، ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ( [الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ تَعَالَى، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ الْعِظَامِ وَرَكَائِزِهِ الْجِسَامِ؛ بَثَّ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ، وَنَبْذَ الْبَغْضَاءِ وَالْفُرْقَةِ، قَالَ تَعَالَى: )وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ( [آل عمران:103].
وَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَى المُؤْمِنِينَ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ، كَمَثَلِ الجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا؛ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالحُمَّى» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، فَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ وَالرَّأْفَةُ وَالشَّفَقَةُ مِنْ أَجَلِّ مَقَاصِدِ الْإِسْلَامِ الَّتِي تَجْعَلُ أَفْرَادَهُ يَعِيشُونَ حَيَاةً يَمْلَؤُهَا الْأَمَانُ وَالسَّلَامُ، وَيُرَفْرِفُ بَيْنَ جَنَاحَيْهَا الْوِدَادُ وَالْوِئَامُ، وَلِأَجْلِ هَذَا الْمَقْصِدِ الْعَظِيمِ وَالْمَبْدَأِ الْمَتِينِ أَمَرَ الْإِسْلَامُ بِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَنَهَى عَنِ الْقَطِيعَةِ وَالْخِصَامِ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ صِلَةَ الْأَرْحَامِ مِنْ أَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ، وَأَجَلِّ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ) وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ( [النساء:1]؛ أَيِ: اتَّقُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ تَعْصُوهُ، وَاتَّقُوا الأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا، وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَنْ وَصَلَ رَحِمَهُ: وَصَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرَحْمَتِهِ وَعَطْفِهِ وَإِحْسَانِهِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ، قَالَتِ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ قَالَ: نَعَمْ، أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ، وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ( [محمد:22]» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
أَيُّهَا الْمُبَارَكُونَ:
إِنَّ صِلَةُ الرَّحِمِ أَمَارَةٌ عَلَى كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَخَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْإِحْسَانِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُت» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
بَلْ إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِدُخُولِ الْجِنَانِ، وَالْوِقَايَةِ مِنَ النِّيرَانِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ: تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ:
إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ أَسَالِيبُهَا مَيْسُورَةٌ، وَآدَابُهَا كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ، وَهِيَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مِنَ الْوَاصِلِ وَالْمَوْصُولِ، فَتَارَةً تَكُونُ بِالزِّيَارَةِ وَالسَّلَامِ، وَتَارَةً تَكُونُ بِالْمُشَارَكَةِ فِي الْأَفْرَاحِ، وَأُخْرَى قَدْ تَحْصُلُ بِالْمُوَاسَاةِ فِي الْأَتْرَاحِ، وَقَدْ تُنَالُ بِبَذْلِ الْمَالِ وَالْإِكْرَامِ، فَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ لِلْأَقْرَبِينَ، وَإِغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ مِنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ مِنْ أَجَلِّ الْأَعْمَالِ، قَالَ تَعَالَى: ) وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا ( [الإسراء:26] فَأَوْلَى النَّاسِ بِبِرِّك وَإِحْسَانِكَ هُمْ أَرْحَامُكَ وَأَقْرِبَاؤُكَ، فَعَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ الضَّبِّيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ» [رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ]. وَعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الصَّدَقَاتِ أَيُّهَا أَفْضَلُ؟ قَالَ: «عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ]. وَالْكَاشِحُ: أَيِ الْعَدُوُّ الْمُبْغِضُ. فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْظَى بِرُتْبَةِ الْوَصْلِ وَيَبْتَعِدَ عَنِ الْقَطِيعَةِ وَالْهَجْرِ؛ فَلْيَغُضَّ الطَّرْفَ عَنِ الْهَفَوَاتِ، وَلْيَعْفُ عَنِ الزَّلَّاتِ، وَلْيَدَعْ طَرِيقَ الْمُحَاسَبَةِ وَالْمُعَاتَبَةِ، وَلْيَتَحَلَّ بِالْمُصَافَحَةِ وَالْمُسَامَحَةِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي، وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ، وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فَقَالَ: «لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ، فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمُ الْمَلَّ – أَيْ: كَأَنَّمَا تُطْعِمُهُمْ الرَّمَادَ الحَارَّ - وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنَ اللهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ » [رَوَاهُ مُسْلِمٌ]. وَقَدْ يَعْتَقِدُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَشْرُوطَةٌ بِالْمُقَابَلَةِ وَالْمُبَادَلَةِ، فَإِنْ وَصَلُونِي وَصَلْتُهُمْ، وَإِنْ قَطَعُونِي قَطَعْتُهُمْ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُعَدُّ وَاصِلًا، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: «لَيْسَ الوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ مِنْ تَمَامِ الْوَصْلِ لِلْأَرْحَامِ: بَذْلَ النَّصِيحَةِ لَهُمْ، وَأَمْرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ( [الشعراء:214]، دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ، فَقَالَ: «يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعْبٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ، أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا» [رَوَاهُ مُسْلِمٌ].
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوه إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا لَا يَنْفَدُ، أَفْضَلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْمَدَ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى أَفْضَلِ الْمُصْطَفَيْنَ مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَعَبَّدَ، وَأَشْهَدُ أَن لَّا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ.
أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ – عِبَادَ اللَّهِ - حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ أَجْسَادَكُمْ عَلَى النَّارِ لَا تَقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ رَاجِعُونَ، وَعَلَى قَدْرِ أَعْمَالِكُمْ مَجْزِيُّونَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ:
إِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ آثَارُهَا حَسَنَةٌ نَافِعَةٌ، وَثِمَارُهَا طَيِّبَةٌ يَانِعَةٌ، فَهِيَ سَبَبٌ فِي سَعَةِ الرِّزْقِ، وَطُولِ الْعُمْرِ، وَمَحَبَّةِ الْأَهْلِ، فَعَنْ أَنْسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِه، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تَعَلَّمُوا مِنْ أَنْسَابِكُمْ مَا تَصِلُونَ بِهِ أَرْحَامَكُمْ؛ فَإِنَّ صِلَةَ الرَّحِمِ مَحَبَّةٌ فِي الْأَهْلِ، وَمَثْرَاةٌ فِي الْمَالِ، وَمَنْسَأَةٌ فِي الْأَثَرِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ]. فَعُمْرَانُ الدِّيَارِ، وَبَرَكَةُ الْأَعْمَارِ: تُنَالُ بِصِلَةِ الأَرْحَامِ؛ فَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «صِلَةُ الرَّحِمِ، وَحُسْنُ الخُلُقِ، وَحُسْنُ الجِوَارِ، يَعْمُرَانِ الدِّيَارِ، وَيَزِيدَانِ فِي الأَعْمَارِ» [رَوَاهُ أَحْمَدُ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ].
عِبَادَ اللهِ: إذَا كَانَتْ صِلَةُ الرَّحِمِ لَهَا هَذِهِ الْمَكَانَةُ الشَّرِيفَةُ، وَالدَّرَجَةُ الْعَالِيَةُ الرَّفِيعَةُ، فَإِنَّ الْقَطِيعَةَ أَمْرُهَا خَطِيرٌ، وَشَرُّهَا مُسْتَطِيرٌ، فَهِيَ سَبَبٌ لِجَلْبِ لَعْنَةِ اللَّهِ، وَبُعْدِ الْعَبْدِ عَنْ سَيِّدِهِ وَمَوْلَاهُ، قَالَ تَعَالَى: ) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ( [محمد:22-23] فَقَطِيعَةُ الْأَرْحَامِ كَبِيرَةٌ مِنْ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ، وَسَبَبٌ لِبُعْدِ الْعَبْدِ مِنْ رَحْمَةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ؛ فَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعُ رَحِمٍ» [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].
وَحَسْبُ قَاطِعِ الرَّحِمِ بَلَاءً وَشَقَاءً وَنَكَالًا وَحِرْمَانًا: أَنَّ عُقُوبَتَهُ قَدْ تُعَجَّلُ لَهُ فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ، فَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِى الدُّنْيَا، مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِى الآخِرَةِ: مِنَ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ].
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِصِلَةِ الأَرْحَامِ، وَجَنِّبْنَا الفَوَاحِشَ وَالآثامَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَانْصُرْ دِينَكَ وِكِتَابَكَ وَسُنَّةَ نَبِيِّكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ، وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، وَوَفِّقِ - اللَّهُمَّ - أَمِيرَنَا وَوَلِيَّ عَهْدِهِ لِهُدَاكَ، وَاجَعَلْ أَعْمَالَهُمَا فِي طَاعَتِكَ وَرِضَاكَ، وَاجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً مُطْمَئِنًّا سَخَاءً رَخَاءً، دَارَ أَمْنٍ وَإِيمَانٍ، وَسَائِرَ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ.
لجنة إعداد الخطبة النموذجية لصلاة الجمعة